كيف سمحنا لأنفسنا بأن نتعاطى الفن كأنه نوع من التهريج أو التسلية؟

وفي الحلق.. غصة!

مقالات
Share
ملحة عبدالله

 

د. ملحة عبدالله

 

جميل هذا الاستقدام للفنون والحفلات في موسم الرياض؛ لكن الأجمل أن يكون لنا نحن هذا الدور في الإبداع والفن والإبهار والألق، فما تلك الفنون سوى انعكاس لمجتمعات أتت من بعيد نهرع إليها وفي الحلق غصة، فأين نحن كمرآة عاكسة لمجتمعنا ولحضارتنا وتقدمنا؟..

من العجيب أنه لا يزال بيننا أناس ينظرون إلى الفن بتلك النظرة السطحية الخالية من معالم القدح الذهني! ولا نعلم كيف تأتى ذلك ومن أين انحدر؟ ونحن في العصر الفضائي موحد العالم أجمع في بلورته السحرية حاضراً أخاذاً متفاعلاً ومؤثراً!

كيف سمحنا لأنفسنا بأن نتعاطى الفن كأنه نوع من التهريج أو التسلية؟

كلها تساؤلات تبعث على الدهشة وتحمّل المسؤولية لسدنته ورواده، ولكي يحيا البشر في متعة الدهشة واللذة ومن دون استخفاف.

فالفن ما هو سوى شعلة تتقد ووجدان مترع بالحس، يتسرب فينا فينتج لنا الوعي الدائم والمنقذ من تقلبات هذا العصر المخيفة، إذا ما سلمنا بأنه والمجتمع وجها عملة واحدة تسبغ إحداهما الأخرى بذات اللون والطابع في تمازج لا يمكن الفكاك منه.

لماذا نُدهش بذلك التقدم العلمي والحضاري في بلاد الغرب، بل ويذهب القادرون منا إلى هناك كي ينهلوا من ينابيع المتعة والدهشة، أما غير القادرين فيمنون أنفسهم في اللحاق بالركب إلى هناك! كل ذلك ونحن لا نبحث عن السبب الآخذ بتلابيب ذلك التقدم وبنواصي العلم والمعرفة ومسببات الدهشة.

لعله التواكل إن جاز التعبير لدى البعض، ونوع من الاستعلاء لدى البعض الآخر، ولا نملك إلا التعليق والتساؤل عبر وسائل التواصل أو حتى في وسائل الإعلام.

وهذا لا يلغي أن بيننا مبدعين كثر، يتوقون إلى إطلاق خيالهم وأقلامهم وفرشاتهم - وقل ما تشاء من صنوف - في ساحات الفن، لكن الأمر يكمن في قاع النهر ينتظر صياداً ماهراً قد لا يأتي!

نتعجب كثيراً من ظهور فن السوقة! ثم نتعجب من ذلك الإقبال الكبير عليه، فتصبح تلك سمة بارزة لمجتمعاتنا شئنا أم أبينا، فتاريخ الفن لا يرحم والأقلام ديدان قز والمطابع مغازل وكل شيء يدون دونما ننتبه بأن تاريخنا وحضارتنا وصورة مجتمعاتها تشوه إلى حد كبير!

إن المتمعن في الظواهر الفنية المعاشة يجد حافزاً كبيراً للبحث والتحليل والتفسير وبكل القوالب والمناهج النقدية ليتسنى له معرفة كنه هذا التحدر في القيمة الفنية، التي إذا ما نظرنا للوجه الآخر من العملة لوجدنا ذلك التحلل والانحدار! مما يترك حيرة مستفيضة لا تقبل الرهان على من هو الفاعل الأساسي.

ونعتقد أن مبدأ النفعية هو ما أفسد كل شيء، وما أقسى وقع سنابكها إن دخلت مضمار الفن ودوائره!

كلنا نعلم مدى التطور الذي حدث في فنون عصر النهضة فظهرت الكلاسيكية والرومانسية والباروك وغير ذلك من الفنون يقتات عليها العالم حتى يومنا هذا؛ ذلك أنها حققت ذلك الانعتاق من ظلمات العصور الوسطى ونفعيتها، فكان انعتاقاً حراً من كل مكبلات العصر المتسم بالجمود والقيود والبحث عن المصالح والسيطرة والنفعية.

عصر النهضة جاء بعد عطش شديد لكل ما هو خلاق، آخذ من إبداعه أجنحة ليحلق في سماوات الخلود. فظهر لنا مايكل انجلو وغويا وشكسبير وكورني وغيرهم مما لا يتسع المقال لذكرهم.

فالنفعية التي هي آفة الفنان والإبداع والمبدعين هي ما تفسد الفن فيفسد المجتمع بدوره ومن دون شك أو مواربة.

يقول (آرنولد هاوزر) صاحب موسوعة الفن والتاريخ عن فنون عصر النهضة: «لقد كانت فكرة الفن المستقل، غير النفعي، الذي يستمتع به لذاته، معروفة في العصر الكلاسيكي، وكل ما حدث هو أن عصر النهضة أعاد كشفها بعد أن كانت قد نسيت في العصور الوسطى».

وعلى هذا فإن استقلالية الفنون من أي مؤثرات وأهمها النفعية والمتاجرة لابد أن تنتج لنا فنوناً خالدة تأخذ معها المجتمعات إلى آفاق التقدم والرقي. وفي هذا الشأن يقول سالف الذكر: «لا يخطر ببال أي شخص قبل عصر النهضة أن الحياة التي تكرس للاستمتاع بالفن قد تكون أغلى أنواع الحياة وأسماها»!

فحينما ظهرت مدارس الفن المستقل إبان عصر النهضة لم تكن تعني سوى الاستقلال من قيود الفكر والاستقلال عن العلم فأبدعوا وأثروا العالم والمتحف والأكاديميات، لكننا على العكس من ذلك، فإذا ما تفلت منا أوار الطيش في عصرنا هذا فذلك يرجع إلى عدم الاستقلالية من النفعية التي باتت مقيتة تحيطها شللية لا تدع للمبدعين الحق إلا النفاذ من بين قضبان تكتلات مقيتة ثم نعود لنتساءل ونبكي على اللبن المسكوب.

لن يعود للفن بهاؤه الخلاق سوى بحب الفن والإبداع والاستمتاع به لذاته دونما البحث عن المصالح والمنافع، ولنا في ذلك تجربة عندما جمعنا بعضنا بعد التخرج وكونا فرقة بقيادة المخرج أشرف عزب، فقدمنا عروضاً كنا نصرف عليها من جيوبنا نحن ولا نلتفت لأي منفعة تعود علينا من ورائها سوى المتعة والإبداع. فتحقق لنا نجاحاً بات يدرس في الأكاديميات وكانت العروض تقام في اليوم مرتين وثلاثاً، وحينما بدأ كل من أعضاء الفرقة يسأل عما سيعود عليه توقف كل شيء وبات الأمر ينتظر الممول وهو بدوره عينه على شباك التذاكر!

جميل هذا الاستقدام للفنون والحفلات في موسم الرياض لكن الأجمل أن يكون لنا نحن هذا الدور في الإبداع والفن والإبهار والألق، فما تلك الفنون سوى انعكاس لمجتمعات أتت من بعيد نهرع إليها وفي الحلق غصة، فأين نحن كمرآة عاكسة لمجتمعنا ولحضارتنا وتقدمنا؟

 

المصدر / جريدة الرياض

شارك برأيك
هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرا بشري ولمنع منشورات سبام الآلية .