الغموض يحيط بالتوطين

هل الثقة بالقوة العاملة الوطنية معدومة؟!

مقالات
Share
العمالة الوطنية-الكوادر الوطنية

بعد أن بلغ وضع البطالة في المملكة حدا مقيتا واتخذت القرارات لتطبيق الإصلاحات الاقتصادية منحى التقليل من الاعتماد على النفط عبر فرض الرسوم والضرائب وتقليص الدعم رفعا لعوائد الحكومة، لم يكن باستطاعة الشريحة المتوسطة والضعيفة من الشعب تحمل البطالة وارتفاع نفقات العيش معا. لذلك جرى التخطيط لبرنامج التوطين والسعودة من أجل تنظيم وإدارة العمالة الأجنبية لتحسين وضع أبناء الوطن المعيشي. تم الإعلان عن أن هذا البرنامج جاء بهدف إقناع المواطنين بأن الحكومة تنوي تحسين الأوضاع، لكن يبدو أن هناك عقبات وعقدا أخرى تفوق إرادة ومخططات الحكومة.

 

طيلة أعوام مضت، أوجد الاعتماد على العمالة الأجنبية والتبعية لها وحتى للخبراء والمستشارين الوافدين نوعَ اعتماد واتكال عليهم، وهو الذي أوجد في المقابل انعدام الثقة بالكوادر الوطنية وضعف روح الثقة بالنفس. مع أن الضعف والفساد في البناء التعليمي والتربوي للمملكة كان أيضا عاملا أساسيا في ظهور هذه المعضلة، لكن على كل حال، النظرة السلبية للعمالة المحلية وانعدام الثقة بمهاراتها وكفاءاتها، استدام وتأصل بشكل متنام في عقول مسؤولي الحكومة رفيعي المستوى. على الرغم من أن جميع المسؤولين يتحدثون عن ضرورة التوطين والتقليل من البطالة في إطار رؤية 2030، لكن عملية توظيف الوافدين ما زالت مستمرة وما زالت شتى المؤسسات تفضل الاستفادة من الخبراء الأجانب. وفي الأسابيع الماضية الأخيرة احتج أكاديميو المملكة على تجديد إبرام العقود مع الأكاديميين الأجانب معتبرين هذه المبادرة إعاقة للتوطين، أضف إلى ذلك أن وزارة الخدمة الوطنية أيضا أعلنت مؤخرا عن الجدول الزمني لخطة الإعلانات الوظيفية للعام المالي الحالي، والتي أعلن وفقا لها بعدم وجود خطة لدى وزارة التربية والتعليم بالتوظيف. لكن عندما احتج نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي على ذلك قال وزير التعليم أحمد العيسى أن لدينا فائضا في عدد المعلمين ولا حاجة لتوظيف معلمين جدد، هذا وقد أحيلت أعداد كثيرة من المعلمين للتقاعد. لكن في الوجه الآخر من القصة، ما زلنا نشهد إعلانات لشركات استقدام القوة العاملة المصرية تعلن عن توظيف معلمين في مدن من المملكة مثل جدة، حيث الظروف مهيأة لتوظيف المعلمين المصريين.

 

 

لا يمكن التغاظي عن هذا الموضوع بسهولة واعتباره نتاج غياب التنسيق بين المؤسسات والمسؤولين، بل يبدو أن العقبات الذهنية والقناعات غير السليمة للقدرات والمهارات الوطنية كانت عاملا رئيسا في فشل برنامج التوطين. إذا كان وفقا لمزاعم مسؤولي قطاع التعليم أن أبناء البلد جديرون بالتوظيف في مختلف القطاعات التخصصية وإذا كانت الحكومة قد عقدت العزيمة حقا على تلبية حاجاتها من القوة العاملة بالخريجين المحليين أو المبتعثين، فما المبرر لاستمرار استقدام القوة العاملة من البلدان الأجنبية؟! من جانب آخر، إذا كان المسؤولون يرون انعدام الجدارة الكافية لدى القوة العاملة المحلية، أليسوا حينئذ مسؤولين عن أعوام من النفقات وصرف الوقت في هيكلة التعليم بالمملكة لتكون المخرجات الآن غير ذات كفاءة؟! من هم المسؤولون والمقصرون الرئيسيون عن هذه الكارثة التي حلت بالوطن، وكيف يجب التعاطي معها؟! لا يثق مسؤولونا حتى بالمبتعثين الذين بعثوهم هم أنفسهم إلى أفضل الجامعات العالمية تحصيلا للعلم، والمبتعثون أنفسهم أيضا لا يقدرون على منافسة الوافدين في التوظيف.

 

على أي حال قد حان الآن وقت الاستفادة من قدرات وكفاءات الوطن، حتى وإن أعرب المسؤولون عما بقلوبهم وأذهانهم بشجاعة وصرحوا برأيهم المتمثل في أن "الكوادر الوطنية ليست كفؤة"،لم تبق مع ذلك أيضا ثمة فرصة للبداية من جديد. علينا التفكير في حل لإحصاءات البطالة المرتفعة في الظروف المعيشية العصيبة، وكذلك في زيادة نفوذ الوافدين في مختلف القطاعات الحكومية.

صوت الجزيرة

شارك برأيك
هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرا بشري ولمنع منشورات سبام الآلية .