هكذا يتمّ تفشيل المواطنين!!

 

طلال القشقري

 

قبل سنوات، وعلى صفحات مُلْحق (أحوال النّاس) الذي كانت جريدة (المدينة) تُصدره، كتبْتُ مقالاً عن مواطنٍ فتح بقالة صغيرة في أحد شوارع جدّة بعد تقاعده من العمل، وصار يعمل فيها بنفسه، ثمّ اكتشف أنّ عُمّال توصيل المواد الغذائية (الوافدون) الذين يتبعون شركات بيع المواد بالجُملة يتأخّرون في توصيل المواد التي يشتريها منها، وأحياناً يُوصِّلُونها إليه بتأخّر يوم أو يومين، الأمر الذي أفقده كثيراً من الزبائن الحريصين على التعامل مع المحلّات التي تتوفّر فيها كلّ المواد في أيّ ساعة يحتاجونها، كما اكتشف أيضاً أنّ العُمّال لا يفعلون ذلك مع بقالة أخرى مجاورة لبقالته ويعمل فيها وافدون من نفس جنسيتهم، وينضبطون معها تمام الانضباط!.

وهكذا ارتفع ضغطُ المواطن، وأيقن بأنّه مُحارَب، وخسر مالياً، فآثر راحة البال وأغلق بقالته، إذ لم يستطع مواجهة مافيا مُكوّنة من العُمّال الوافدين الذي ينصرون بني جلدتهم على حساب المواطن العامل في مجال التجارة، ويسعون بلا كلل لإنجاحهم وتفشيله، ويزيد الطين بلّة إذا كان هناك تستّر تجاري يجعل الوافدين هم أصحاب المحلّات الحقيقيين لا المواطن، مع غفلة الجهات المعنية أو تقاعسها عن ضبط العمل التجاري في أسواقنا المحلية التي يشوبها الكثير من الفوضى!.

ويبدو أنّ هذا الوضع ما زال قائماً، ودليلي هو مقطع الفيديو الذي انتشر في مواقع التواصل الاجتماعي مؤخراً عن مواطن فتح محلّاً لبيع المواد الكهربائية وتنفيذ مقاولاتها البسيطة، وهذا شيء رائع لأنّنا نحتاج مواطنين في الحرف المهنية وإشغالها من قبل شبابنا بعد سيطرة الوافدين عليها، والحرف المهنية هي روح العمل في أيّ بلد، لكن جاء المواطن العريس يفرح ما لقي مطرح، إذ كان محلّه واقعاً بين عدّة محلّات كهربائية يُديرها وافدون متمرّسون، وتفنّنوا في مضايقته، حتّى أنّه إذا جاءهم زبون ولم يجد مُبتغاه لديهم يخبرونه كذباً أنّ ما ينشده ليس متوفّراً في محلّ المواطن بل متوفّر في المحلّات الأخرى، ويبيعون الزبائن بأرخص ممّا يبيع المواطن لتنفيرهم من محلّه، وما زال المواطن الكهربائي المُحاصَر بين الوافدين يُعاني، ولا أعلم إن كان قادراً على الصمود، أو ينتهي به الأمر لإغلاق محلّه الكهربائي كما فعل المواطن صاحب البقالة!.

وأنا لسْتُ عالِماً في التجارة، لكنّي أطالب بإيجاد آلية تحمي المواطن التاجر من حيل الوافدين التي تهدف لتفشيله، وما أكثرها من حيل، وكما توجد لدينا مافيا خبيثة تُريد حصر مهنة التجارة بين أيدي الوافدين، عبر التستّر ومخالفات الأنظمة، فإنّ المطلوب هو إنشاء مافيا حميدة تُسهّل ممارسة التجارة للمواطنين، ولا أنسى أنّ في التجارة تسعة أعشار الرزق، فكيف يتحوّل الأمر لتتحوّل تسعة الأعشار أو أكثر للوافدين؟ هذا مُجْحِف ليس لمواطنينا فقط بل لمواطني كلّ بلد!.

 

المصدر / جريدة المدينة

 

التعليقات (0)
CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA