من دروس كورونا

محمد خضر عريف

خلال أزمة كورونا التي لا تزال تعصف بالعالم، تعلمنا دروسًا كثيرة منها أن الصديق وقت الضيق، فقد يبلى المؤمن بشيء من الجوع والخوف، وقد ينقص شيء من ماله، أو يفقد عزيزًا عليه، وبقدر ما يكون صبره على البلوى يكون ثوابه وأجره عند العزيز المتعال، فأمر المؤمن كله خير، وإن ذكرت البلوى هذه الأيام فاعلم أن المقصود بلوى كورونا.. ولعل من الفوائد الكبرى للبلوى، أن يعرف المرء عدوه من صديقه، أو أن يصنف من حوله من البشر تصنيفًا دقيقًا، ففي حال الرخاء يصعب ذلك كثيرًا إن لم يصعب تمامًا، فالكل يهش لك ويبش ويظهر لك كل استعداد (لأي خدمة) كما نقول باللهجة الدارجة فلا تعرف وقتها من الصادق منهم في أداء الخدمة إن احتجت لها، وتتمنى من الله عز وجل أن لا يحوجك إلا لوجهه الكريم.

فإذا ما حلت النازلة وأحسست وقتها فعلا بأنك بحاجة إلى (الخدمة) من عشرات عرضوها عليك، تلفتُّ يمنة ويسرة فما وجدت منهم إلا من لا يزيد عددهم عن عدد أصابع يدك وقد يقلون من ذلك أيضًا.. بل إن الأمر قد يكون أكثر غرابة من ذلك، إذ قد يأتيك الخير من أناس بعيدين عنك إلى حد ما، لا تربطك بهم وشائج القربى والزمالة أو الصداقة أو الجيرة.. وقد يتخلى عنك أقرب الناس إليك.

وما أصعب خيبة الأمل في القريب القريب، وما أجمل تحققه في البعيد الذي لا تلقي له بالًا أحيانًا كثيرة.. وما أشد مضاضة أن تكون يدك ممدودة بالخير لكثير ممن حولك تؤازرهم وتسعفهم وتجمع القوم على نصرتهم وجبر عثرتهم، ثم إن كانت عثرتك، ما نصرك أحد منهم.

وصدق من قال إن الناس معادن، فمنها النفيس، ومنها النادر، ومنها منقطع النظير، ومنها الرخيص والمقلد والبراق واللامع لمعة زائفة، ولا تُعرف هذه المعادن إلا بفحصها فحصًا دقيقًا من قبل صائغ ماهر، لذا كثيرًا ما يُخدع الناس بالبريق واللمعان، ويصدقون ما يسمعون من أن فلانًا معدنه نفيس ثم سرعان ما يكتشفون أنه «قشرة» كما يقول إخواننا المصريون.

وأبناء هذه البلاد الطيبة: نجدها وحجازها وشرقها وغربها وشمالها وجنوبها مازال بينهم عديد (النشامى) ممن لو أحس بحاجة أخيه جاء إليه في عتمة الليل وأخرج كل ما في جيوبه وأعطاه إياها، وقال له (أخويا هذه دفعة أولى، أخويا اجعل خدي مداسك).. هذه الحوادث وإن كانت تُسمع في بيت جدي وجدك، فإنها ما تزال تحدث في هذه الأيام من أبناء هذه البلاد الأصلاء الذين عُرف عنهم نجدة الأخ والجار والصديق والحبيب، بكل أصول (الفزعة) التي حث عليها ديننا وورثناها عن آبائنا وأجدادنا، وقد يكون الأكثر (فزعة) ليس بالأكثر مالًا بالضرورة والعكس صحيح.

وأحسب أخيرًا أن من حلت به بلوى كورونا وأنعم الله عليه بتجاوزها سليمًا معافى سيخرج لا ريب بكسبين عظيمين أولهما رضا الله عن عبده الصابر الشاكر الذي يزداد مع الابتلاء صبرًا واحتسابًا، وثانيهما أن قائمة بعشرات الأسماء انطبعت في مخيلته عمن حوله من بين البشر، بدت وجوههم بجلاء دون أي أقنعة، فقد أزال الله عن عينيه الغشاوى، وعنه غطاءه فبصره اليوم حديد، وكما قال الشاعر العربي:

          جزى الله النوائب كل خيرٍ             عرفت بها عدوّي من صديقي

المصدر: جريدة المدينة

 

التعليقات (0)
CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA