قضایا التحرش تتعارض مع تمكين المرأة ودورها التنموي

مقالات
Share
التحرش

 

منحت رؤية المملكة 2030 المرأة دورها التنموي بعد أن كانت مكبلة بقيود المجتمع وكان خروجها من البيت مهددا بالأخطار. فنظر صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان إلى المرأة كإنسان مستقل يحظى بأهلية مدنية لأنها تشكل نصف المجتمع، من ثم تم الاهتمام بتمكينها وتحقيق دورها التنموي وفقا للرؤية وذلك عبر رفع الوصاية عنها ومنحها حرية أكثر والسؤال عن رأيها بناء على استقلالها الذاتي، إلا أن المرأة في مجتمعنا ما زالت تعاني بعض العادات والتقاليد ومهما بالغت رؤية 2030 في الاهتمام بمشاركتها في الحياة العامة وتنمية مواهبها واستثمار طاقاتها فهي لا تشعر بالراحة عند خروجها من البيت، كما أنها لم تخرج من الأعراف الاجتماعية الخاطئة والمبتذلة. لذلك نراها، لما تتعرض للتحرش، تختار الصمت خوفا من الفضيحة وسياط المجتمع التي ترغمها على العزلة والانطواء على الذات.    
يعد التحرش آفة كبيرة في بلدنا ويؤسفنا أن قضاياه تتزايد كل يوم في أرجاء المناطق مما يتضح من خلال ذلك أن نظام مكافحة التحرش الذي وافق عليه مجلس الوزراء خلال العام الماضي لم يكن رادعا للمتحرشين. 
فوفقا لتقارير المحاكم السعودية في العام الماضي، فقد أصدرت المحاكم 708 أحكام في قضايا التحرش من بين 1041 قضية تلقتها خلال 8 أشهر. تصدرت منطقة مكة المكرمة قائمة القضايا بـ650 قضية، بنسبة 35.5%، تليها منطقة الرياض بـ457 قضية، بنسبة 25%، ثم المنطقة الشرقية بـ257 قضية، ثم المدينة المنورة بـ145 قضية. وجاءت منطقة تبوك في المرتبة الـ5 بـ70 قضية، تليها منطقة القصيم بـ68 قضية، ثم منطقة عسير بـ54 قضية، ثم منطقة جازان بـ40 قضية.
تدل هذه الإحصائيات على أوضاع كارثية تلحق النساء في مجتمعنا وما شهدته المناطق في غرة هذا الأسبوع ضاعفت في خطورة الاكتراث بهذه الظاهرة المرضية حيث وقع ثلاث حالات تحرش على مستوى المملكة في أقل من 48 ساعة مما أفضى إلى أن يطالب كثيرون بمن فيهم المحامون بتغليظ العقوبات على مرتكبي جرائم التحرش من خلال إعادة صياغة القانون.
شهدت قرية القصيبي بمحافظة الخبر الجمعة الماضية واقعة تحرش شاب بفتاة كانت تجلس داخل سيارتها، حيث إن الشاب قدم إلى الفتاة أثناء تواجدها بسيارتها وقال لها "انزلي أنا أبيك"، وهددها إذا لم تفتح له باب المركبة. وقامت الفتاة بتصوير أفعال الشاب المشينة بهاتفها المحمول وانتشر المقطع المصور على نطاق واسع بين المواطنين.
وفي ثاني حادثة التحرش خلال ساعات قليلة، فقد وثقت كاميرا مراقبة مثبتة في بقالة بمدينة الدمام حادثة تحرش جديدة بفتاة في البقالة، فيما انتشر هذا المقطع أيضا على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي وأثار غضبًا عارما بين المواطنين.
وفي ثالث حالة التحرش على مستوى المملكة في أقل من 48 ساعة، فقد أقدم شاب في منطقة تبوك على القيام بحركة غير أخلاقية بفتاة داخل بقالة، فيما أظهر مقطع فيديو تناقله مغردون على نطاق واسع، الفتاة وهي تقف على “الكاشير” لدفع الحساب، بينما جاء الشاب وتحرش بها. وعقب فعلته، التي وثقتها كاميرا البقالة، فرَّ الشاب سريعًا إلى الخارج، وفيما يبدو أن الفتاة قامت بملاحقته من أجل التصدي لما فعله.
على خلفية هذه الأعمال المشينة، فقد دشن المغردون وسوم #متحرش_القصيبي، #_تحرش_جنسيٍ_بفتاه_الدمام و#متحرش_تبوك 
والتي تصدرت قائمة أكثر الوسوم انتشارًا في المملكة وأدانوا ما قام به المتحرشون وطالبوا الجهات المعنية بالتدخل لمحاسبتهم، وتغليظ العقوبات والتشهير بأسمائهم.
من هنا يخطر ببالنا بعض الأسئلة: هل تكون هذه الحالة المأساوية نتيجة لتلك النظرة التقليدية القديمة التي تفضل الرجل وتجد له التبريرات فتتغير المرأة من ضحية إلى مذنبة؟ أو هل تكون هذه التحرشات بسبب ارتداء المرأة ملابس ضيقة وغير محتشمة فهي نفسها السبب الرئيسي لتحرش الرجال بجسدها؟ أو هل تكون لرجالنا نظرة متخلفة ومهووسة بجسد المرأة حيث يرون أن المرأة خلقت لمجرد إشباع نزوات الرجل الجنسية؟ أو هل تزايدت هذه الحالات في المجتمع بسبب تقليص صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وضعف قوانين مكافحة التحرش لأن تكون رادعة؟
المتتبع لمسيرة المرأة في بلدنا يدرك أنها باتت الأكثر تطوراً في العالم وتولت مناصب رفيعة المستوى في كافة القطاعات بعد سلسلة من القرارات الملكية الصادرة بحقها من خادم الحرمين الشريفين طوال الفترة الماضية وتمكنت بعدها أن تقود السيارة وتدخل الملاعب وتشارك في المنافسات الرياضية والتنمية المستدامة التي يشهدها بلدنا. هذا التقدم يتعارض مع بعض الأسئلة التي طرحناها هنا ويؤكد على بطلانها من الأساس فمن الضروري أن يأخذ المعنيون في مجتمعنا قضايا التحرش على محمل الجد ويعالجوها جذريا لأن الحل قد لا يكون صعبا. 

 

صوت الجزيرة
 

شارك برأيك
هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرا بشري ولمنع منشورات سبام الآلية .