تهويل.. لا تمويل عقاري!!

مقالات
Share
الإسكان السعودي

 

طلال القشقري

 

تخبرني مُواطِنة ذات دخل محدود أنّها حصلت على تمويل عقاري من أحد البنوك لشراء شُقّة سكنية قيمتها نصف مليون ريال، ويقضي عقد التمويل أن تُسدّد هي للبنك مبلغ ٥ آلاف ريال شهرياً لمُدّة ٢٠ سنة، ممّا يعني أنّ البنك أقرضها نصف مليون ريال، وهي بدورها ستردّها له بالتقسيط لكن مليوناً و٢٠٠ ألف ريال، وهكذا ستبلغ أرباح البنك منها وحدها ٧٠٠ ألف ريال!.

 

 

هو صحيح أنّ التقسيط سيستغرق مُدّة طويلة، لكن له أثر سلبي للغاية على المُواطِنة ومن في مثل حالها من الموُاطنين ذوي الدخل المحدود الذين يحصلون على تمويل عقاري، وعددهم بمئات الآلاف، فمن ذا الذي يستطيع امتلاك عقار سكني دون الاقتراض؟! والأثر على سبيل المثال لا الحصر يكمن في أنّ راتب المُواطِن المقترض لا يكفيه الحاجة بعد الاقتراض، لأنّ نسبة كبيرة منه ستُخصم من قبل البنك، وتُجْهِز فواتير الخدمات وتكاليف المعيشة المرتفعة على ما يتبقّى من الراتب، وإن كان المُواطِن لم يعد فقيراً بسبب توفّر مسكن مملوك له لكنّه يُصبح فقيراً في مواجهة الحياة، وتخيّلوا أنّ ذلك يستمرّ لخُمْس قرن، أو أكثر لأنّ هناك حالات قروض تستمرّ لرُبْع قرن، الأمر الذي يجعل من المواطن وراتبه ومظاهر حياته أَسْرَى شبه تأبيدي في سجن البنك الفاخر ذي الـ٥ نجوم!.

 

 

أنا بالطبع، وفي ظلّ استمرارية أزمة الإسكان لا أطالب بإلغاء التمويل العقاري من البنوك، إذ هو رافد مهم لحلّ الأزمة، لكنّي أؤمن بضرورة تدخّل الجهات المعنية بالإسكان بينها وبين المواطنين، لتخفيف نسب أرباحها إلى نسب معقولة كي يتمكّن المُواطِن من تسديد قرضه وخلال مُدّة أقلّ، يعني ١٠ أعوام مثلاً كحدّ أقصى، والبنوك تربح حالياً وفي المجموع نسباً أكثر من ١٥٠٪ على حساب المواطن المحتاج، وليست لها مشاركات وطنية ملموسة لخدمة التنمية، ومشاركتها المطلوبة تكون بتخفيض أرباحها بما لا يضرّ بها ولا يُخرجها من المنافسة مع البنوك الأخرى، وربحها مضمون لكن ليته يكون معقولاً، وصيغ التمويل الحالي ليست تمويلاً بل تهويلاً على المواطن، وإفلاسه لعقدين من الزمان وأكثر، والمواطن يحلم بمسكن العمر، وفي سبيله يقترض ولو بتعسير يعرف أنّه سيواجهه مع التسديد، فهل من مُيسِّرٍ له؟ هل من مُيسِّرٍ له؟ يسّر الله أمر الجميع ورزقهم المساكن المملوكة التي يرفلون فيها بصحّة وعافية وأمن وسعادة وإيمان.

 

المصدر / جريدة المدينة

شارك برأيك
هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرا بشري ولمنع منشورات سبام الآلية .