تملك المسكن.. بين تضخم الأسعار وحلول التمويل

حسين بن حمد الرقيب

هل أستأجر أم أتملك المسكن سؤال يُطرح كثيراً، وفي الغالب يتجه المستفيدون إلى حلول امتلاك المسكن بغض النظر عن آثارها السلبية على حياتهم في المستقبل، لأن هاجس امتلاك المسكن يدفعهم إلى تجاهل سلبيات الشراء بالتمويل، ولكي يكون الطرح موضوعياً فإن الأرقام هي من تحدد إيجابيات وسلبيات امتلاك المسكن عن طريق الحلول التمويلية، ولنفترض أن شخصاً يحصل على مرتب شهري في حدود 10,000 ريال وهذا متوسط رواتب موظفي القطاع العام، هذا الشخص أمامه عدة خيارات للسكن، الخيار الأول هو الإيجار فإذا كانت الوحدة المستأجرة مكونة من 5 غرف فإن متوسط إيجارها في حدود 30,000 ريال في السنة بقسط شهري 2500 ريال، أما الخيار الثاني فهو تملك وحدة سكنية بنفس مساحة الوحدة المستأجرة متوسط قيمتها في حدود 700 ألف ريال، وعند امتلاكها بالحلول التمويلية سوف يدفع المستفيد دفعة مقدمة 35.000 ريال وقسط شهري 4700 ريال لمدة عشرين سنة ويتبقى من مرتبه 5300 ريال فقط، أما الخيار الثالث امتلاك وحدة سكنية منفصلة متوسط قيمتها 1.2 مليون ريال منها دفعة أولى 120 ألف ريال وقسط شهري 6500 ريال لمدة 20 سنة، ويتبقى له من مرتبه 3500 ريال، عملياً خيار الإيجار أفضل، ويأتي بعده خيار تملك وحدة صغيرة والخيار الأسوأ تملك وحدة منفصلة لأنها سوف تجعل حياة المستفيد صعبة جداً مع الجزء الضئيل المتبقي من المرتب وقد يعتقد البعض أن الزيادة السنوية قد تخفف من أثر القسط على الدخل إلا أن الزيادة السنوية يقابلها زيادة في الأعباء المالية مع تمدد الأسرة، ومع أن وزارة الأسكان وضعت عدداً من المبادرات وقد نجحت في ذلك وساعدت الكثير من الأسر على امتلاك المسكن، إلا أن الحقيقة الصادمة هي زيادة تكلفة المساكن فالعقارات السكنية لازالت أسعارها متضخمة وليس من المنطق أن تكون تكلفة الأرض أعلى من تكلفة البناء ونحن في المملكة نمتلك مساحات شاسعة من الأراضي حتى داخل النطاق العمراني ولولا جشع العقاريين لاستطعنا خفض التكلفة إلى مستويات مقبولة قد لا يحتاج معها المواطن إلى الحلول التمويلية التي ترهقه طوال حياته، حلول التمويل التي طرحتها وزارة الإسكان بالتعاون مع البنوك وصلت في شهر يونيو الماضي إلى حوالي 13 مليار ريال وهذا شجع العقاريين إلى رفع أسعار العقارات ولازال المعروض من العقارات قليل، حيث إن رسوم الأراضي التي كان مخططاً لها أن تتم على ثلاث مراحل لازلنا في المرحلة الأولى منها منذ أكثر من ثلاث سنوات وقد تحايل بعض أصحاب الأراضي الكبيرة لتفادي دفع الرسوم بتحويل الأراضي الخام إلى مخططات سكنية وعرضها بأسعار عالية جداً يستحيل معها تملك الشخص ذي الدخل الثابت على الأرض بتلك الأسعار العالية، تجارب بعض الدول في حل مشكلة السكن جديرة بأن يستفاد منها، وكذلك فكرة التعاقد مع شركات التطوير العقاري العالمية وخصوصاً الشركات الصينية التي تستطيع إنشاء وحدات سكنية في زمن قياسي وبتكلفة بسيطة وبعدها تقوم وزارة الإسكان أو البنوك وشركات التمويل بتمليكها للأسر بطريقة التأجير المنتهي بالتمليك على سنوات عديدة، أما الاعتماد على المطورين العقاريين المحليين فإن التجربة لم تكن ناجحة فلا التكلفة انخفضت ولا جودة البناء ترضي طموح الأسر بتملكها لبيت الأحلام، حيث المعاناة لا تنتهي من مشكلات العيوب الإنشائية بعد السكن وقد تستمر تلك العيوب وتستنزف أموال الملاك حتى مع إقرار نظام التأمين على المساكن الجديدة لأن دخول الفنيين من أجل إصلاح أي عطل له تبعات مالية قد لا يغطيها التأمين، نمو الأسر السعودية يحقق قفزات كبيرة سنوياً وهذا النمو يجب أن يواكبه نمو في عدد الوحدات السكنية، وإن لم تكن وزارة الإسكان فعالة وسريعة ومبتكرة للمبادرات والبرامج، فإن أزمة السكن سوف تتفاقم وتكون حلولها أكثر صعوبة وتكلفة، لا يكفي تدبير التمويل لحل مشكلة السكن، بل إن التركيز على الحلول التمويلية والتغافل عن الحلول الأخرى الأكثر نجاعة سوف يضعنا أمام مشكلتين الأولى؛ تضخم أسعار العقارات والأخرى ضعف القوة الشرائية للأسر بسبب استقطاع أكثر من 60 % من المرتب للسكن وهذا له تبعات سلبية على الاقتصاد.

مجلس إدارة الهيئة العامة لعقارات الدولة أصدر في شهر مايو الماضي لائحة التصرف في عقارات الدولة، والتي تمكن الهيئة من تنظيم ما يتصل بشؤون عقارات الدولة وحمايتها والمحافظة عليها وكيفية التصرف بها، وتوحيد رسم السياسات المتعلقة بها، وتخصيصها للاستخدامات المختلفة، ووضع قواعد وضوابط لاستثمار عقارات الدولة، والتصرف فيها قد يساعد كثيراً في توفير المزيد من المعروض العقاري وتخفيض الأسعار المتضخمة وتحقيق إيرادات جيدة للدولة وتحافظ على الأراضي الحكومية من أولئك الذين امتهنوا سرقة الأراضي وبيعها بطرق عشوائية تفتقد إلى التنظيم والتخطيط وتزيد من التشوه البصري في المدن.

الهيئة العامة للمنافسة، تعمل على دراسة مؤشر لقياس الخدمات في الأحياء، لمعرفة الخدمات الموجودة في كل الأحياء للمساهمة في معرفة السعر الحقيقي لكل أرض، وهذا المؤشر سيساعد في وضع السياسات العامة مثل الضرائب على الأراضي وغيرها من الإجراءات، كما أنها تساعد في معرفة القيمة الحقيقية للأرض وفقاً للميزات الموجودة في كل حي، والمؤشر سوف يساهم في القضاء على المضاربات في الأراضي.

 

المصدر: جريدة الرياض

التعليقات (0)
CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA