تعذيب الأطفال والكاميرا

مقالات
Share
عبدالله الغنام

 

عبدالله الغنام

بين الحين والآخر تظهر لنا مشاهد مؤلمة عن تعذيب الأطفال الأبرياء، بعضها قد يكون بيدي عاملة المنزل (أو المربية) في حين غفلة من الوالدين. والأسوأ من ذلك أن يكون التعذيب من طرف أحد الوالدين انتقاما من الآخر!

في المشهد الأول، يفترض أن العاملة المنزلية مهماتها الرئيسة هي للبيت وشؤونه، وقد يضاف لها مهمة الاعتناء بتربية الأطفال. وتربية الأطفال تحتاج في الأصل إلى تفرغ شبه كامل وصبر وعناية متواصلة. ولكن البعض منهن تتحول مهمتها من التريبة إلى العنف والوحشية في التعامل، وبالتالي يتحول ما ننفقه من أموال على المربيات أو الخادمات وبالا علينا بدل أن يكون نعمة.

ولكن الحقيقة المؤلمة أن سعينا وراء المال والمادة مع إهمال الأطفال هو حجة ضعيفة وواهية؛ لأن ما نحصل عليه من مال لن يصلح العطب النفسي، الذي سيحدث بسبب غياب أحد الأبوين وانشغال الآخر. إن نقص المال أو الحاجات المادية هو خير من الآثار السلبية المترتبة عن غياب الوالدين. والواقع أن الجروح المعنوية والنفسية القاسية صعب أن تلتئم، وحتى لو التأمت سيبقى أثرها!

ومن المؤكد أننا نحاول جهدنا أن نوفر للأطفال الحياة المادية الكريمة، ولكن في حال غيابنا عنهم، فإن العاملات أو المربيات يربينهم كيفما يشئن، وربما يعذبنهم في غفلة منا أو تهاون. إن حياة أطفالنا المعنوية والنفسية تستحق أن نراجع ونوازن بين المال والعمل في مقابل التواجد معهم واحتوائهم.

ومن الحلول عند الاضطرار للغياب هو استخدام كاميرات البث المباشر لمشاهدة ومراقبة الأحداث في المنزل، التي أصبحت أقل تكلفة من ذي قبل. والذين يهتمون لسلامة أطفالهم سيجدون الكثير من الحلول مثل الاستعانة بالأقارب أو الحضانة المعتمدة الموثوق بها. ولن يعجز الوالدان مع موجود الحرص والاهتمام عن إيجاد البدائل والحلول.

وأما المشهد الآخر الأكثر إيلاما إذا كان تعذيب الأطفال من قبل أحد الأبوين انتقاما من الآخر! فهذه جريمة مضاعفة، وهي بلا شك مرض نفسي يحتاج إلى علاج، ويحتاج أيضا إلى عقوبة رادعة. وأنه لمن المستغرب أن تصبح قلوب البشر أشد قسوة من الحيوان والحجر؟! فتلك مصيبة أشنع وقسوة قلب لا تغتفر.

إن الرحمة والمحبة من قبل الوالدين هي الأمر الفطري والإنساني. وخير مشهد على ذلك ما ذكره عبدالله بن بريدة عن أبيه -رضي الله عنه- قال: (خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأقبل الحسن والحسين -رضي الله عنهما- عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل فأخذهما فصعد بهما المنبر ثم قال صدق الله: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ). رأيت هذين فلم أصبر، ثم أخذ في الخطبة). وتلك هي الرحمة والمحبة والحنان بأجمل صورها، فقد أشفق عليه الصلاة والسلام عليهما من السقوط والتعثر. فأين هي تلك القلوب القاسية من هذا المشهد الأبوي المعبر والمؤثر؟!

إن الانتقام لن يحل أبدا المشكلة النفسية لدى الأبوين من بعضهما البعض لأنه القلب، الذي يغلي بالحقد لابد أن يؤذي نفسه ومَنْ حوله. وقال الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) فشتان بين هذا وبين الذين يعذبون أطفالهم انتقاما من الآخر، وتلك دلالة على ضعف الشخصية وتهالكها، ولكن للأسف أن الأطفال هم الحلقة الأضعف في هذا الصراع!

وهناك قد يكون وجه خفي من تعذيب للأطفال لا يصور ولا ينقل لنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو بعيد عن أعين القانون والناس والكاميرات، ولكنه ليس ببعيد عن السميع البصير، فالله هو الناصر لهم ولو بعد حين لأن لكل شيء له فيه حكمة، فهو الرقيب الحكيم.

 

 

abdullaghannam@

المصدر : صحيفة اليوم

شارك برأيك
هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرا بشري ولمنع منشورات سبام الآلية .