الاستعجال في طرد العمالة الأجنبية

تبعات الضغط الاقتصادي على العمالة الأجنبية

مقالات
Share
العمالة الأجنبية

موضوع تواجد العمالة الأجنبية في المملكة قضية كنا نصارعها لسنوات وما زلنا. قد تعززت العلاقات السياسية والثقافية مع سائر الشعوب المسلمة في ظل هذا الموضوع. قد استتبت الروابط الأسرية والاندماجات الثقافية بين الجاليات الأجنبية والمواطنين السعوديين إلى درجة أن الفصل الكامل بينهم وغض النظر عن تواجدهم في المملكة لم يعد بالأمر السهل. في فترات من الزمن كان ترحيبنا بالعمالة الأجنبية من بلد ما أو طردها، أمارة لمستوى علاقاتنا السياسية مع حكومات تلك البلدان. وتحولت قضية العمالة الأجنبية لأداة لفرض الضغوط على الحكومات وتهديدها أو تطميعها وحثها توفيقا وتظافرا. مجمل قرارات المملكة في هذا المجال يكوّن صورة بلدنا في الرأي العام لشعوب الجوار والعالم الإسلامي.

المشاكل الطارئة في السنوات الأخيرة الماضية خصوصا في ظل الانخفاض الحاد في أسعار النفط والعجز في الميزانية وبعد ذلك تخطيط المملكة حول انخفاض الاعتماد على العائدات النفطية في إطار رؤية 2030، تسببت إلى جانب كثير من مصادر الدخل في لفت أنظار مسؤولي البلد صوب العمالة الأجنبية أيضا. في هذا الإطار أُعلن بشكل رسمي عن استبدال العائدات النفطية بالضرائب على الرواتب والعائدات أو الضرائب على القيمة المضافة والرسوم المستلمة من العمالة السعودية الوطنية أو الوافدين إضافة إلى إصدار البطاقة الخضراء للزوار الأجانب كمصدر للدخل. منذ ذلك الحين، تم إثارة بحوث كثيرة حول كيفية الحصول على الضرائب من العمالة الأجنبية وأنواعها على الرواتب والتحويلات وغيرها وتوطين بعض الوظائف ومنع توظيف الوافدين في بعض الوظائف تطرقنا إليه (هنا). تثار في هذا النطاق بين الحين والآخر بمواقع التواصل الاجتماعي مثل هذه البحوث. قد طرح في الأيام الأخيرة الماضية موضوع الرسوم على مرافقي الوافدين كمصدر دخل جديد للحكومة ومن ثم التطرق إليه.

ثم نستطرد هذا الموضوع عبر استقصائه في محورين:

أولا، مضار هذه المشاريع ومصالحها:

تم تنفيذ كل هذه المبادرات الأخيرة من أجل الضغط على العمالة الأجنبية وإدارة مناخ العمل وتوطين الوظائف. بالرغم من أنه يتم عن طريق هذه المشاريع الحصول على قاعدة بيانات جيدة عن معلومات العمالة الأجنبية ويساعد ذلك خزينة الدولة في الإفلات من مخالب العجز، لكنها ستفرض على المملكة تكاليف ومضارا مباغتة لا يمكن التكهن بحدوثها. بفعل هذه الضغوط، قد يغادر الكثير من العمالة الأجنبية البلد ما يتيح فرص عمل للمواطنين؛ لكن هل تأمل أحد في كيفية التعويض عن خروج أعداد كبيرة من الأيدي العاملة الأجنبية وما يتبع ذلك من تكاليف بسبب تعطل الأعمال؟ وهل هناك ما يكفي من العمالة الوطنية لاستبدال نظيرتها الأجنبية؟ الأهم من ذلك، هل لدى العمالة المحلية الكفاءة والقدرة على القيام بالأعمال التخصصية التي قد تبقى شاغرة؟!

كما ان هذا الخروج المباغت قد يفضي لحد ما إلى الجمود في قطاع سوق السكن والعقار. قد أصبح سوق البلد الآن متوازنا بحضور العمالة الأجنبية والضغوط من أجل خروجهم منه سيزعزع هذا التوازن.

مما لا شك فيه أن جزءا من العمالة الأجنبية الوافدة ستعمد إلى الالتفاف على القانون والتستر، وهذا نفسه يوجب مشاكل أمنية شتى، كما أن قطاع التوظيف أيضا سيواجه مشاكل عدة، وستؤول أمور المستثمرين في هذا القطاع إلى صيرورتهم عاطلين عن العمل ولم يعد اعتبار استقطاب العمالة الأجنبية أداة فاعلة على الصعيد السياسي داخليا وخارجيا.

ثانيا، فرق القطاع الخاص والحكومي:

قد تسرّى فرض الضغوط لحصر تواجد العمالة الأجنبية إلى أرباب الأعمال والشركات الخاصة أيضا. على سبيل المثال على جميع شركات القطاع الخاص دفع مبلغ للحكومة كرسوم عن أي عامل أجنبي (وفقا للنموذج الخاص)، أو مثلا في قطاعات مثل الاتصالات وإيجار السيارات يتم التغريم في حال توظيف العمالة الأجنبية. لكن مع هذا، مازلنا نشهد رغبة جامحة لاستقدام العمالة الأجنبية في القطاع الخاص، يجب البحث عن أسبابها في شتى القضايا، منها أولا الالتزام بجودة العمل والأجور الأقل مقارنة بالعمالة السعودية، وثانيا استمرار نهج استقدام العمالة الأجنبية في القطاع الحكومي، الذي أوجد في الأذهان المفارقة المتمثلة في سبب حظر ما يُحظر في القطاع الخاص وتفرض عليه عديد حالات الحصر وفي المقابل نجده نفسه متاحا في القطاع الحكومي مسموحا به. أليست الحساسية والأهمية أكبر بكثير في القطاع الحكومي؟!

شاهد الحديث، ما وقع مؤخرا في استقدام المعلمين الأجانب، مع وجود خريجين عاطلين عن العمل من أبناء الوطن في فرع التربية والتعليم. قد شكك هذا التعاطي المزدوج في حسن نوايا الحكومة حول التوطين وتوفير فرص العمل للعاطلين، وهو يعزز فكرة أن العمالة الأجنبية إنما كانت ذريعة لسد عجز خزينة الدولة.

شارك برأيك
هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرا بشري ولمنع منشورات سبام الآلية .