النقد ليس إرجافا!

مقالات
Share
عبدالله المزهر

 

عبدالله المزهر

 

ليس من علامات المواطنة الصالحة أن تتغاضى عن الأخطاء، فالوطن ليس حبيبتك التي تحب حتى عيوبها، ولكنه المكان الذي يزداد جمالا بالعمل ونقد العمل. العمل وحده دون رقابة ودون خوف من المحاسبة سينحرف إلى هاوية الأخطاء في لحظة ما مهما كان الحرص ومهما كان القائم عليه أمينا نزيها شريفا مخلصا. اكتشف الإنسان هذه الحقيقة البدهية منذ القدم واخترع الآليات التي تجعل مراقبة ومحاسبة «العاملين» ممكنة.

 

 

والوسائل لفعل هذا كثيرة، كالمجالس الرقابية التي تحاسب الحكومات حسابا عسيرا مريرا، وإلى أن يأتي الله بمثل هذه المجالس فإن الصحافة الحرة هي إحدى هذه الوسائل الممكنة وغير المكلفة، فالفساد يجد مرتعا خصبا صالحا للحياة عمرا أطول في المكان الذي لا تكون فيه الصحافة سلطة رابعة حقيقية تنقد وتحاسب ويفكر فيها المسؤول قبل أن يهم بوظيفته وتهم به. وتعمد بعض الشركات الكبرى في هذا الكوكب الفسيح إلى إنشاء إدارات مهمتها الوحيدة هي نقد عمل الشركة، وأن تفند كل أعمالها وتظهر مكامن الخلل الواضحة وحتى غير الواضحة.

 

 

والحساسية من النقد منطقية، لأن النفس البشرية تكره أن تُعاب، لكن هذه الحساسية ليست سببا كافيا لجعله مرادفا للإرجاف، والناقد ليس عدوا ولا خائنا حتى وإن كان كلامه مؤذيا للذين يعانون من الحساسية تجاه الحديث عن أعمالهم. يجب أن يتعالجوا من الحساسية بدلا من القضاء على النقد.

 

 

وقد يقول قائل إن النقد يعني الحديث عن الجوانب السلبية والإيجابية، وليس التركيز على العثرات والأخطاء، وهذا كلام صحيح لا غبار عليه، لكن المشكلة هي أن النجاحات التي يريد البعض إبرازها كإنجازات هي في غالبها لا تخرج عن أداء العمل بشكل صحيح، فعلى سبيل المثال حين تقوم أمانة مدينة ما بالاهتمام بنظافة شوارعها والانتهاء من مشاريعها في الوقت الذي حددته بنفسها فإن ذلك في الحقيقة ليس إنجازا، ولا عملا عظيما لأن هذه هي مهمة الأمانة الرئيسية وما وجدت أساسا إلا لتقوم بهذا العمل. والاحتفاء بالأعمال الطبيعية والبدهية يعني تكريس فكرة أن الفساد والإهمال هما الأساس وما عدا ذلك حالات شاذة يجب الاحتفاء بها.

 

 

وأظن أنك لا تنتظر من الطبيب أن يأتي على منزلك ويطرق بابك ليخبرك أنه يريد شكرك لأنك لست مريضا، ولا شك أنك ستستغرب حين يطاردك شرطي المرور ويستوقفك لكي يشكرك لأنك ملتزم بالنظام. وقد يقوم بهذا في إطار حملة توعوية لكنها ليست مهمته الرئيسية.

 

 

وعلى أي حال..

 

 

ليس كل النقد صحيحا ولا مبنيا على معرفة حقيقية للأمر، لكن حتى هذا النوع من النقد فرصة لإظهار الحقيقة والدفاع عنها، لأنها هي التي تهم، أما مهاجمة الناقد فإنها صراع جانبي لا ضرورة له، تكون نتيجته غالبا أن الحقيقة نفسها تظل راقدة بسلام في مكان لا يصل إليه أحد.

 

المصدر / صحيفة مكة
 

شارك برأيك
هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرا بشري ولمنع منشورات سبام الآلية .