العنف في المجتمع السعودي

مقالات
Share
أيمن بدر كريّم

 

بقلم : أيمن بدر كريّم

 

مع تداعيات انفتاح المجتمع السعودي المتميّز بانغلاقه طوال عقود، على ثقافاتٍ أخرى وآراء مُغايرة، تضجُّ مواقع التواصل الاجتماعي بكثيرٍ من ألفاظ الشّتم والقدْح والقذف والإهانات الشخصية، وسلوكيات المُزايدة ورفضِ الآخر المُختلف، وتزدادُ الصورة الإعلامية اضطراباً بمشَاهد من مُسلسلاتٍ تلفزيونية سعودية «فكاهية» تعتمد على سُخرية فجّة وصياحٍ مُزعج وعُنفٍ بدني سلوكي وألفاظ خارجةٍ عن الأدب، ناهيك عن إرهاب الشّوارع من خلال قيادة السّيارات باستهتار وتهوّر، ومُخالفاتٍ مُرورية تقتربُ من شُبهة الجناية ومُحاولاتِ القتل غير المُتعمّد، مما يطرحُ تساؤلاتٍ مُحرجةٍ حول دوْر المؤسّسات التربوية والثقافيةِ والإعلامية والدينية، في مُجتمع تنخفض فيه نسبةُ الأُمّية، وترتفعُ فيه نسبةُ الشّهادات العُليا والتعليم المُتقدّم، وتكتظُّ موادُّه الدراسية وقنواتُه الإعلامية بالحثّ على التعاليم الدّينية وفضائلِ الأخلاق.. فأين الخلَل.. وأين الخطأ؟!.

 

أرى أن تكريسَ الاهتمام بثقافة حميّة الجاهلية والتفاخر المُفرط بالأحسابِ والأنساب والمُكتسبات القَبلية والعشائرية، دون ضرورةِ اقترانها بمُكتسباتٍ علميةٍ وأخلاقية، وتغلغُل ثقافةِ الاستحواذ والغلَبة و»الهياط»، التي تُحاول الدولةُ بمؤسّساتها ضبطَها وتعديلَها وتوجيهها لنفع المُوَاطَنة، قد يكون من أسبابِ سوءِ الأدبِ الاجتماعي وانخفاضِ الذوق العام، كما أن شعور بعضِهم بالقهر الفئوي والغُبـْن الاجتماعي واكتواءهم بنار الفساد الإداري، أدّى بِهم إلى صعوبةِ احترام القوانين والأنظمة، ولعلّ ذلك يُفسّر -ولا أقول يُبرّر- كثيراً من أشكال العُنف والتلذّذ بسلوكيات إيذاءِ وقهر الغير.

 

يستدعي العنُف الاجتماعي دراسةَ عوامل التربية والثقافة والظُّروف الاجتماعيةِ والتعليمية والاقتصادية المُرتبطة به، وبخاصةٍ ضمن فئة الأطفال والمراهقين الذين يتعرّضون لجُرعات مُكثّفة من ألعاب الفيديو ذات الطابع العنيف، واحتمال ارتباطها بالميْل للانعزال وضعفِ مهارات التواصل الاجتماعي، وتفاقمِ مشاعر الغضب والعدائية السُّلوكية، كما أقترحُ تعميمَ عياداتِ الصّحة النفسية والاهتمام بتوظيفِ الأخصائيين والأطباء النفسيين (المُعالِجين) في المَدارس والجامعاتِ، لتشجيع رصْدِ وتقييم وعلاج اضطراباتِ الشّخصية والعنفِ السّلوكي والأمراضِ النفسية، لدى الطلاب وحتى المُعلّمين والمعلّمات.

 

أتمنى أن انتشار قنواتِ وفعاليات ومنشآت الترفيه الاجتماعي، إضافةً إلى اعتمادِ تدريس فنون التّعاملِ والذوق العام والذكاء الاجتماعي في المدارس، والتوسّع في إنشاء معاهد للفنون الجميلة كالتمثيل والتصوير والرسم والموسيقى، سيسهم في تفريغِ الطاقات المُحتقِنة، ومخاطبةِ الأحاسيس والارتقاءِ بالذوق الإنساني وبخاصةٍ لدى فئة الشباب، إلا أن كلّ تلك الوسائل لا تلبي الأهداف المنشودةَ من دون منظومة قانونية نظاميةٍ عادلةٍ رادعة، تنشر الوعي بالتعنيف الاجتماعي وتُجرّمه بكلّ صُوره اللفظية والسُّلوكية والجَسدية والنفسية.

 

المصدر / جريدة المدينة
 

شارك برأيك
هذا السؤال هو لاختبار ما إذا كنت زائرا بشري ولمنع منشورات سبام الآلية .