العشوائيات بين الحلول الممكنة والمثاليات الحالمة...!

وليد الزامل

تعرف المناطق العشوائية على أنها بيئات سكنية طورت بواسطة السكان وفق احتياجاتهم ومتطلباتهم المعيشية، وبمعزل عن جهات التخطيط الرسمية.

إنها كما يصفها موئل الأمم المتحدة تجمعات سكنية تفتقر إلى نظام الحيازة الذي يمنع من الإخلاء القسري، حيث يشيد هؤلاء السكان مساكنهم على أراض عامة بلا سند قانوني.

وتتسم هذه العشوائيات في الغالب بتدهور البيئة العمرانية، ونقص في إمدادات المياه، والصرف الصحي، وأنظمة التخلص من النفايات لكونها مقامة بشكل غير رسمي ولا تتوافق مع التشريعات العمرانية.

إن الإشكاليات العمرانية التي تعاني منها المناطق العشوائية ليست سوى غيض من فيض؛ بل إنها تأتي كإحدى النتائج الملموسة للأبعاد الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية المعقدة والتي ساهمت في تشكيل البنية الفيزيقية لها.

تبدأ هذه المناطق بالنمو على شكل بؤر وتجمعات سكنية صغيرة لا تلبث حتى تتمدد رأسيا أو أفقيا تبعا لظروف الموقع واحتياجات السكان؛ لتتحول فيما بعد إلى مدن عشوائية.

وغالبا، ما يتخذ سكان العشوائيات مناطق بعيدة عن الرقابة البلدية مثل المناطق الجبلية الوعرة، أو بطون الأودية والشعاب، أو المناطق المحيطة بمدافن النفايات، لكونها مناطق عامة لا تخضع عادة لمطالبات الملكية. وفي المجمل، يرتبط سكان المناطق العشوائية بالحيز المكاني ارتباطا وثيقا لكونه يوفر الإطار الاقتصادي غير الرسمي، حيث يعمل العديد من السكان في بيع منتجات غذائية، أو يمارسون مهنا غير مصرح لها.

ويدور الجدل في الأوساط الأكاديمية حول الحلول الناجعة للتعامل مع هذه العشوائيات بين مثاليات حالمة، أو أفكار سطحية بعيدة عن الواقع. أقول، إن فهم عوامل نشوء المناطق العشوائية وأنماطها يعد أولى خطوات تطوير سياسات ناجعة للتعامل معها. فالعشوائيات تعبر عن عجز المدينة في تقديم بدائل إسكان لفئات من المجتمع بما يتوافق مع ثقافتهم وأنماط معيشتهم.

إن سياسات تطوير المناطق العشوائية يفترض أن تتباين تبعا لطبيعة انتشارها مكانيا، وخصائصها العمرانية، وظروفها الاجتماعية، والاقتصادية. والثابت في القول، إن العامل الاقتصادي أصبح اليوم العنصر المحرك لسياسات تحسين، أو إزالة، أو صيانة البنية العمرانية لتلك العشوائيات.

وعليه فإن هذه السياسات غالبا ما تأخذ حيز التنفيذ عندما تكون العشوائيات واقعة في مناطق يمكن استثمارها.. إنها إذن تدر عوائد اقتصادية.. فهي تشجع القطاع الخاص على المشاركة في تطويرها.

وبعيدا عن المثاليات، أقول إن مثل هذا النوع من السياسات قد لا يجدي نفعا مع المناطق العشوائية التي تقع على هامش المدينة، أو البعيدة عن المراكز الاقتصادية الحيوية، أو تلك الواقعة في بيئات تضاريسية صعبة كالجبال وبطون الأودية؛ نظرا لضعف المردود الاقتصادي. وهو ما يمكن أن يفسر بقاء العديد من العشوائيات لعقود من الزمن بلا تطوير.

ما أعنيه، إن نظرة صانعي سياسات الإسكان تجاه المناطق العشوائية يجب ألا تركز فحسب على البعد العمراني المرتبط في معظم الأحوال بالجدوى الاقتصادية؛ بل من الممكن أن تنبثق هذه السياسات وفق حلول المقاربة الممكنة، والنابعة من منطق الارتقاء بأساليب المعيشة وتوفير الحد الأدنى لمتطلبات الحياة الكريمة لسكانها كوسيلة للارتقاء العمراني، ولمنع الانتشار العشوائي المستقبلي في المدن؛ ويمكن أن يكون ذلك من خلال برامج الشراكة المجتمعية التي تهدف لتأهيل السكان وتنمية مواردهم لإدراجهم ضمن إطار اقتصاد المدينة وتمكينهم من الدخول إلى سوق الإسكان الرسمي.

waleed_zm@

المصدر: صحيفة مكة

التعليقات (0)
CAPTCHA
This question is for testing whether or not you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
Image CAPTCHA